سيد محمد طنطاوي

478

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال القرطبي : التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان ، والإقلاع بالأبدان ، وإضمار ترك العود بالجنان ، ومهاجرة سيئ الإخوان . وقال الفقهاء : التوبة التي لا تعلق لها بحق آدمي لها ثلاثة شروط : أحدها أن يقلع عن المعصية ، وثانيها : أن يندم على ما فعله ، وثالثها : أن يعزم على أن لا يعود إليها . فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت نصوحا . وإن كانت تتعلق بحق آدمي ، فشروطها أربعة ، هذه الثلاثة المتقدمة ، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت المعصية مالا أو نحوه رده إليه ، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه من نفسه ، أو طلب العفو منه ، وإن كانت غيبة استحله منها . وهي واجبة من كل معصية على الفور ، ولا يجوز تأخيرها . . « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ، ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * . والرجاء المستفاد من فعل * ( عَسى ) * مستعمل هنا في الوعد الصادق منه - تعالى - على سبيل الكرم والفضل ، فقد قالوا إن كل ترج في القرآن واقع منه - تعالى - فضلا منه وكرما . أي : يا من آمنتم باللَّه حق الإيمان ، توبوا إلى الله - تعالى - « توبة صادقة » بحيث تندمون على ما فرط منكم من ذنوب ، وتعزمون على عدم العودة إليها ، وتستمرون على توبتكم طوال حياتكم . . فإنكم متى فعلتم ذلك غفر اللَّه - تعالى - لكم ذنوبكم : وكفر عنكم سيئاتكم ، وأدخلكم جنات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( عَسى رَبُّكُمْ ) * : إطماع من اللَّه لعباده . وفيه وجهان : أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل . ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت . والثاني : أن يجيء به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء . . « 2 » . والظرف في قوله - سبحانه - : * ( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّه النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَه ، نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ ) * منصوب بقوله - تعالى - قبل ذلك : * ( يُدْخِلَكُمْ ) * ، أو بفعل مضمر تقديره : اذكر .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 194 . ( 2 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 570 .